منوعات

جـدي.. القصة الكامـلـة

جـدي.. القصة الكامـلـة..

يوم وفـ,ـاة جدي محدش من العيلة نزل عليه د/معة واحدة، ولا حتَى أبويا اللي هو ابنه، وده لأن جدي كان منبوذ من العيلة كلها ومحدش بيحبه، جدي كان أكتر راجل بخيل ممكن تشوفه في حياتك كلها، لدرجة إنه كان بيلبس لبس مقطع ومتبهدل عشان بس ميشتريش جلبية جديدة، مطلعش جنيه واحد في جوازة ولاده كلهم سواء بنات أو شباب..

 

رغم إنه عنده أرض كبيرة وبيطلعله في السنة مبلغ كبير أوي، حتى أحنا أحفاده تقريبًا مشوفناش منه على مدار عمرنا ولو جنيه واحد، ومكنش بيحب يزور حد ولا أي حد يزوره، ومسافة ما اتجوز كل أولاده بشغلهم وتعبهم اعتزلهم وقعد في البيت وبقينا بنزوره على استحياء، وكانت مقابلته دايمًا مش لطيفة..

 

ده غير إنه كمان كمل تقريبا ٩٦ سنة من عمره، يعني عاش لدرجة إن الناس زهدت فيه وبقوا متوقعين من سنين طويلة إنه هيموت في أي لحظة، بس الغريب في جدي إنه كان ورغم عمره الكبير ده كانت صحته ولا كأنه شاب في العشرينات، لدرجة إننا كنا بنتخيل إنه بيعمل سحر في البيت أو معاه أكسير الخلود عشان يفضل محافظ على صحته بالطريقة دي..

 

حتى يوم الجن,ازة جه واحد معرفة وقال إن وصيته محدش يغسله ولا يكـ,ـفنه غيره، كلامه كان صادم بس محدش هيقدر يكسر الوصية للأسف، عرفتوا ليه بقا ميست,حقش حد يبكي عليه أصلًا، وفعلًا دخل الراجل وقفل الباب وغسله وكـ,ـفنه وخرج لينا بالج,ثة وكمان هو اللي حطها على الخش,بة، وكمل بقا الوصية وهو كمان اللي دخل الجثة لقبر,ها ودف,نها..

 

بس كانت فيه حاجة غريبة أوي لاحظتها وأحنا شايلين الخش,بة، خشبة جدي كانت خف,يفة أوي، رغم إن جسمه كان مليان وعامل زي الجِت,ة زي ما بيقولوا رغم العُمر ده كله، وأكيد يعني مش من أعماله الصالحة عشان يبقا مستعجل على الحِساب للدرجة دي، بس مهتمتش ودفـ,ـناه ورجعنا على البيت..

 

وكلها كام يوم واجتمع أبويا مع أخواته عشان يحسبوا التِركة، بس الغريب إنهم كانوا ولاد حلال في بعض عكس المتوقع وعكس أبوهم الجشع البخيل، وقسموا الأرض على البنات، وأبويا باع شقته ودفع تمنها لأخوه وبقا نصيبه هو البيت كله وده لأنه بيحلم بده من زمان عشان يجوزني بسهولة فوق منه، ولقيت نفسي في يوم وليلة بجمع حاجتي وعفش الشقة عشان نروح على بيت جدي، الراجل الغريب العجيب..

 

وصلنا البيت تقريبًا على آخر الليل ومكنش قدامنا حاجة غير إننا ننام من كتر التعب اللي شوفناه في اليوم ده، وفي نومي شوفت حلم غريب شوية، شوفت تِعبان لونه أصفر وشكله حلو أوي ماشي في صالة البيت وعمال يدخل براسه بين البلاط وكأنه عايز ينزل لتحت الأرض، فضلت أراقب فيه لحد ما بص ناحيتي وهجم عليا عشان يلدغني، بس يشاء ربنا إني اتفاداه واصحا من نومي بسرعة..

 

استعذت بالله من الشيطان الرجيم ورجعت كملت نومي وأنا مش مهتم أوي بالحلم، أنا من الناس اللي بتواظب على الأذكار وقريب من ربنا من زمان، وده ربى جوايا طمأنينة كبيرة أوي في حياتي، لدرجة إني مفتكرش إني خوفت أبدًا من حاجة، في يوم من الأيام..

 

تاني يوم اشتغلنا في البيت بكل طاقتنا لحد ما انتهينا من فرش العفش كله، وخرجت اشتريت أكل وقعدت شوية مع واحد صاحبي من نفس المنطقة وبعدها رجعت على النوم، كانت أوضتي الوحيدة اللي بتبص على الصالة، وباقي الأوض كلها جوا أوي في البيت، وقبل ما أنام سمعت صوت حد بيكح برا وفيه دخان شايفه من تحت عقب الباب، وكأن فيه حد بيشرب شيشة برا..

 

خرجت أشوف مين ده خاصةً إن أبويا مبيشربش شيشة من الأساس، بصيت على الكنبة لقيت شيشة محطوطة والجمر بتاعها مولع، وسفنج الكنبة نازل لتحت كأن فيه حد قاعد عليه، بصيت بتوتر وتركيز لقيته بيترفع بهدوء وكأن اللي قاعد قام وقف، ولقيت دخان بيخرج من الشيشة والمية بتاعتها بتتحرك بصوت مسموع..

 

استعذت بالله من الشيطان الرجيم وقربت من الشيشة عشان كل حاجة تهدى، فكرت أقول لأبويا بس حسيت إن الموضوع هيوتر الدنيا، ويمكن كل دي تخيلات مش أكتر، عشان كدا حطيت الشيشة في الدولاب ودخلت عشان أكمل نومي، وعديت الموضوع ومحكتش لأي حد حاجة من اللي حصلت دي..

 

تاني يوم وأنا نايم صحيت على صوت حد بيكح من تاني، وحسيت ببرودة غريبة أوي في المكان، ومسافة ما خرجت للصالة فوجئت بواحد واقف في آخر الطُرقة قدام أوضة جدي القديمة، ومسافة ما اتحركت ناحيته دخل الأوضة بسرعة، جريت وراه وفتحت الباب ودخلت ملقتش أي حاجة، بس من جوايا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط، سامع صوت أنفاس وحاسس بسخونة غريبة، فيه حد معايا في نفس الأوضة..

 

وبدأت أشوف نقط دم بتنزل من السقف على أرضية الأوضة، وقتها حسيت بالخوف، رجعت لورا وجريت صحيت أبويا، ورجعنا للأوضة بس الدم مكنش موجود في نفس المكان، خبطت بإيدي على الأرضية وأنا مستغرب لحد ما فوجئت بصدى صوت، وكأن الأرضية تحتها فراغ، وضحت لأبويا اللي بفكر فيه وفضلنا ساعة كاملة ندور في الأوضة لحد ما لقينا مقبض في الحيطة أول ما حركناه الأرضية كشفت عن سلم بينزل لتحت الأوضة، حاجة زي البدروم كدا..

 

ونزلنا للمكان اللي عامل زي البدروم ده، وهناك كانت فيه مفاجأة بشعة في انتظارنا، جثة جدي، جثة جدي متحنطة في صندوق زجاج كبير، متحنطة وشكلها مُرعب بنظراتها الحادة ووشه المتخشب، وجمب منه شوفنا سبايك دهب وفلوس كتير أوي في شوالين كِبار أوي..

 

أبويا بصلهم بتعجب وخوف وأنا فضلت ساكت مش قادر أتكلم ولا أهمس بنص كلمة، شوية وأبويا اتصل بعمي وجه وشاف كل حاجة وكان أول قرار منهم إنهم هيفتحوا التربة بتاعت جدي، عشان يشوفوا هما دفـ,ـنوا مين، وروحنا وفتحنا القبر وكانت المفاجأة المُخيفة، أحنا دـ,ـفنا تمثال من البلاستيك..

 

ومكنش قدامنا غير الراجل اللي كفـ,ـن وغسل جدي، عمي سأل عليه وعلى مكانه لحد ما قدر يوصله، وكان واضح في عين عمي وأبويا إن الراجل لو متكلمش هيعملوا فيه حاجة، ولقيناه قال إن دي وصية جدي، وإنه مش عايز يتدفـ,ـن ويسيب ماله اللي تعب وحوش فيه عمره كله، وعايز يتحنط جمب فلوسه..

 

دفع ولأول مرة للراجل مبلغ ضخم جدًا عشان يعمل الكلام ده، واشترط عليه يكون يوم الدفـ,ـنة عشان يضمن إن الراجل هيعمل كدا ويخرج وميسـ,ـرقش الفلوس، لأنه صعب يخرج بشوال فلوس قدام الناس وقت الدفـ,ـنة، وفعلًا الراجل نفذ الوصية وكان ناوي لما الأمور تهدى يدخل البيت ويسرق الفلوس كلها، بس أحنا روحنا نسكن في البيت في أسرع وقت، ودي كانت كارثة بالنسباله وفضل مستني نغيب عن البيت يوم واحد بس عشان يدخل..

 

وده أكدلي للأسف إن الُشح والبُخل ممكن يوصلوا الإنسان للأسف للجنون، وإن من أصعب الأعمال السيئة إنك متأديش حق الفقراء في أموالك اللي ربنا رزقك إياها، عشان كدا ربنا توعد البخيل بالعذاب، اللي بيكنز الذهب والفضة والأموال لنفسه مخافة من الفقر، ربنا بيسلط عليه نفسه فبيعيش يلهث زي الكلب في حياته وبيموت ويسيب كل فلوسه ومعاه وِزر عظيم قادر يرميه في نار جهنم..

 

عشان كدا الصدقات بتطهر القلب والنفس من أي شر أو وس…اوس شيطا…نية، وبتحمي الناس من المصايب والجنون وأي حاجة وحشة، عشان كدا اتعلمت إني أبعد عن البُخل زي ما ببعد عن النار الحارقة..

 

[وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] سورة التوبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى